سيد قطب

2773

في ظلال القرآن

صورة التقريع غير محتاج إلى جواب ! إنما يعقب عليه بتنزيه اللّه : « سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ » . ثم يكشف لهم عن ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها بأعمال الناس وكسبهم ؛ وأن فساد قلوب الناس وعقائدهم وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد ، ويملؤها برا وبحرا بهذا الفساد ، ويجعله مسيطرا على أقدارها ، غالبا عليها : « ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ » . . فظهور الفساد هكذا واستعلاؤه لا يتم عبثا ، ولا يقع مصادفة ؛ إنما هو تدبير اللّه وسنته . . « لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا » من الشر والفساد ، حينما يكتوون بناره ، ويتألمون لما يصيبهم منه : « لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » فيعزمون على مقاومة الفساد ، ويرجعون إلى اللّه وإلى العمل الصالح وإلى المنهج القويم . ويحذرهم في نهاية هذه الجولة أن يصيبهم ما أصاب المشركين قبلهم ، وهم يعرفون عاقبة الكثيرين منهم ، ويرونها في آثارهم حين يسيرون في الأرض ، ويمرون بهذه الآثار في الطريق : « قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ » . وكانت عاقبتهم ما يرون حين يسيرون في الأرض ؛ وهي عاقبة لا تشجع أحدا على سلوك ذلك الطريق ! وعند هذا المقطع يشير إلى الطريق الآخر الذي لا يضل سالكوه ، وإلى الأفق الآخر الذي لا يخيب قاصدوه . . « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ . يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ . مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ؛ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ . لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ . إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ » . والصورة التي يعبر بها عن الاتجاه إلى الدين القيم صورة موحية معبرة عن كمال الاتجاه ، وجديته ، واستقامته : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ » . . وفيها الاهتمام والانتباه والتطلع ، واستشراف الوجهة السامية والأفق العالي والاتجاه السديد . وقد جاء هذا التوجيه أول مرة في السورة بمناسبة الكلام عن الأهواء المتفرقة والأحزاب المختلفة . أما هنا فيجيء بمناسبة الشركاء ، والرزق ومضاعفته ، والفساد الناشئ من الشرك ، وما يذوقه الناس في الأرض من ظهور الفساد واستعلائه ، وعاقبة المشركين في الأرض . يجيء بهذه المناسبة فيبين جزاء الآخرة ونصيب المؤمنين والكافرين فيها ؛ ويحذرهم من يوم لا مرد له من اللّه . يوم يتفرقون فريقين : « مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ » . . ويمهد معناها يمهّد ويعبّد ، ويعد المهد الذي فيه يستريح ، ويهيئ الطريق أو المضجع المريح . وكلها ظلال تتجمع وتتناسق ، لتصور طبيعة العمل الصالح ووظيفته . فالذي يعمل العمل الصالح إنما يمهد لنفسه ويهيئ أسباب الراحة في ذات اللحظة التي يقوم فيها بالعمل الصالح لا بعدها . وهذا هو الظل الذي يلقيه التعبير . وذلك : « لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » . . « مِنْ فَضْلِهِ » . . فما يستحق أحد من بني آدم الجنة بعمله . وما يبلغ مهما عمل أن يشكر اللّه على جزء من فضله . إنما هو فضل اللّه ورحمته بالمؤمنين . وكراهيته سبحانه للكافرين : « إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ » . . بعد ذلك يأخذ معهم في جولة أخرى تكشف عن بعض آيات اللّه ، وما فيها من فضل اللّه ورحمته ، فيما يهبهم من رزق وهدى ينزل عليهم ، فيعرفون بعضه وينكرون بعضه . ثم لا يشكرون ولا يهتدون .